ملجأ الحنان AL-Hanan orphanage

.

الخميس، 20 ديسمبر، 2012

رواية على لسان أحد الأطفال الناجين من دار الحنان .. (اللي بالعطيفية)


عبد الغني سلامه
الحوار المتمدن-العدد: 3946 - 2012 / 12 / 19

الصورة التي نُشرت على النت قبل سنوات، عن حضانة دار الحنان (اللي بالعطيفية) ليست دقيقة تماما، أرجوكم انتبهوا جيدا لما سأقوله: كنتُ حينها نحيفاً إلى درجة لا تُصدَّق، اليوم صرت سمينا ومحيط خصري يتجاوز المتر .. كنتُ مقيداً بالسلاسل مثل كلب، الآن أمشي في الشارع وأعربد فيه كما يحلو لي، ولا يجرؤ ابن كلب أن يضع عينه بعيني .. كنتُ ضحيةً مسكينة .. اليوم صرتُ أضحّي بعباد الله في كل عيد .. أرجوكم لا تكرهوني قبل أن تسمعوا قصتي ..


جندي المارينز الطيب، الذي سقاني يومها قنينة ماء كاملة، وابتسم لي بحنو ظاهر .. اختفت ابتسامته بمجرد أن أطفأ المصور كاميرته، طلبتُ منه أن يحضر لي ساندويتش هامبرغر من المطعم المجاور .. قال لي OK، سأعود بعد نصف ساعة، انتظرته ثلاثة سنوات ونصف ولم يأتي .. كم أنا أبله .. احتجت ثلاثة سنوات ونصف لأكتشف أنه كذاب !!

كنا حوالي عشرون طفلا، أعمارنا تتراوح من ثلاثة إلى خمسة عشر عاما، نصفنا أيتام، لا ندري إذا قُتل آباؤنا في الحرب، أم أنهم ماتوا لأنهم كرهوا الحياة !؟ خمسة منّا ليسوا أيتاماً تماما؛ فقد التقطهم الناس بالقرب من حاويات القمامة، أو على أبواب الجوامع .. لا يعرفون من هم آباؤهم، ولا أمهاتهم .. وهل هم على قيد الحياة ؟ أم هاجروا وتركوهم لمصائرهم ؟ والباقين كانوا معاقين، تخلت عنهم عوائلهم لأسباب مختلفة .. لم أقتنع بها، لكن آخرين كانوا يقولون دوما: "في زمن الحرب، كل شيء جائز".

أبو جاسم، مدير الدار، في الخمسينات من عمره، متجهم، عصبي، كان دوما يجلس على مكتبه الخشبي القذر، رأسه مائل للوراء، ويشخر بصوت عالي، كرشه يتدلى من تحت الطاولة، وإلى الخلف منه لوحة قديمة بإطار فضي باهت، عليها الآية الكريمة "وأَمَّا الْيَتِيـمَ فَلا تَقْهَرْ" .. لا أذكر أنه ابتسم يوما، كان طوال الليل يسهر مع الحراس الثلاثة، يشربون العرق، ويشتمون بعضهم بعضا، أحيانا يختفي لأسابيع ثم يعود كالضبع .. كان من النادر أن يتكلم مع أحد منا؛ ومع ذلك كنا نخاف منه. حين قُتل أمام الباب الخارجي للدار، فرح الأطفال وصفّقوا، أنا أشفقت عليه.

بالقرب من الدار، كان ثمة مطعم شعبي، تفوح منه روائح التمّن، والتشريب، واللحم المشوي، في الوقت الذي كنا نتضور فيه جوعا، إذْ كانت تمضي أياما متواصلة لا نذوق فيها لقمة واحدة. في الشتاء الذي سبق التقاط الصورة الشهيرة لنا، كنا نرتجف من البرد، دخلَ أربعة مسلّحين، نظروا إلينا بغضب، أخذوا فراشنا وخرجوا وهم يشتمون. في الصيف كنا ننام طيلة النهار، الحر لا يُطاق، في كل صيف كنا نخسر طفلين على الأقل، في الشتاء، العدد أكبر قليلا. "غفّوري" ابن الثمانية أعوام، لم يمت بسبب الحر أو البرد، مات في الربيع، من مرض خبيث لم أعرف اسمه، لم يأتي أحد لاستلام جثته .. لم يفكر أحد بدفنه .. أخرجه الحراس بعد ليلتين، وألقوه في الشارع ..

"حيدر" .. كان أكبرنا سناً، غافل الحراس ذات يوم وهرب، هام على وجهه في الشوارع، أكل مما تجود به الحاويات، نام في بيوت الدرج، وعلى أسطح العمارات، في البيوت المهجورة، سرق قميصا عن حبل غسيل، بعد أسبوع عثرت عليه الشرطة ممدداً على الرصيف، قادوه للمغفر، طلبوا هويته، ضحك بسخرية، بصق المحقق في وجهه، سلمه للجنود، بعد أن أنهكوه ضربا قال الضابط لهم: خذو ابن الحرام هذا .. وأرجعوه للملجأ .. بعدها أتوا بحارس آخر، ونسوا أن يحضروا وجبة العشاء ..

"مهدية عبد الخالق" موظفة في وزارة الشؤون الاجتماعية، عندما أتت لتفقدنا قلتُ لها بصوت مخنوق: أرجوكِ خذينا لبيتك .. ليلة واحدة فقط، نحن بردانين .. وجوعى .. نظرتْ لي باستغراب، وقالت: أنت شنو ؟ مخبّل !!

عندما بلغتُ الرابعة عشر، صرتُ أخجل من عريي .. رجوتُ الحراس أن يحضروا لي ملابس داخلية على الأقل .. عندما يأست، سألتهم باستغراب: لماذا تربطونا بالسلاسل ؟؟ ألا ترون أنا ضعاف، وإلى أين سنهرب ؟ أجابني أحدهم: كلما نفك قيودكم نراكم تتكومون فوق بعضكم على نفس السرير .. قلت له: حتى نشعر ببعض الدفء .. قال: بل أنتم سفلة، ولا تستحون !!!

في بعض الليالي، كان الحراس يأتون بفتيات من أعمار مختلفة، يأخذونهن للغرفة الداخلية .. يغلقون الباب .. بعد ربع ساعة يخرجن منهكات، محطمات .. الحراس على وجوههم نظرات التقزز .. ينفحونهن بعض المال، ثم يغادرن .. "رويدة" كانت من أكثر الزبائن ترددا .. في نهاية العشرينات من عمرها، وجهها مدور، هادئ، في عيناها دمعة ساخنة .. وحزن يكفي مدينة متوسطة الحجم .. اعتادت في كل مرة بعد أن ينهي الحراس مهمتهم معها .. أن تأخذ المال وتعود بعد قليل، ومعها ساندويشات كباب لجميع الأطفال .. في المرة الأخيرة .. خرجتْ، وعلى بعد أمتار قليلة أطلق عليها مجهولون النار، سقطت مضرجة بدمائها .. عندما عرفنا بمقتلها، بكينا بحرقة .. ضحك الحراس علينا .. تبكون على مومس يا كلاب !!

في أحد الأيام، دخل الدار مسلّحان ملتحيان، دفعا للحراس مبلغا سخيا .. أخذا "عليوه" قالا له: عمرك الآن عشر سنوات، ما رأيك أن نجعلها عشرون دفعة واحدة ؟ قال: كيف سأكبر بهذه السرعة ؟! قالا: مقابل هذه السنوات العشر ستعطينا بقية عمرك .. قال: وماذا سأستفيد ؟ قالا: ستأكل وجبة كباب ساخنة، وستنام على فراش وثير، ولن يربطك أحد بالسلاسل بعد اليوم .. قال مبتهجا: موافق .. ألبساه حزاما، وأوصلاه إلى السوق ..

في الأسبوع التالي جاء مسلحان آخران، نفحا الحراس مبلغا أكبر .. أخذا "علاء"، قالا له: صديقك الخائن "عليوه" فجَّـر نفسه في حيّكم، وقتل ثلاثة من جيرانك الطيبين .. سنعطيك حزاما آخر لتنتقم .. قال: لا تنسوا وجبة الكباب والفراش الوثير ..

بعدها، جاء للدار لصوص، زعماء عصابات، قوادين، سماسرة، مهربين، قادة ميليشيا، مرشحين للبرلمان، باحثين من كليات علم الاجتماع، أطباء نفسانيين، رجال دين، رسامين .. لم يأتي أحد من أهالينا .. كان الحراس يزدادون ثراء .. ونحن نزداد هزالا .. وننقص فرداً فردا .. أخيرا جاء جنود المارينز .. وجدونا بقايا بشر، لا نصلح إلا لالتقاط صورة ..

ومع ذلك، سأشكر جندي المارينز "الكذاب" .. فلو قلت لكم هذا الكلام لما صدقتموني .. وقلتم ربما يبالغ .. لكن الصورة التي التقطها هذا الكذاب تفضح غفلتكم عنا، ودفاعكم الغبي عن الفاسدين .. حين اكتشَفَنا الجنود، دخلوا علينا مباغتةً .. كنا لثلاثة أيام خلَتْ بدون طعام، عراة تماما، كل طفل مقيد إلى سرير، وحتى هذا السرير بلا فرشة ولا غطاء، أنا كنتُ مربوطا بسلسة طولها أقل من طول المسطرة .. ممددا على أرض باردة صلبة .. كنا جميعا هياكل عظيمة .. نرتجف خوفا .. واهنين .. لا نقوى حتى على الوقوف .. الحراس الثلاثة هربوا .. المسؤولين تبادلوا الاتهامات بشأن الفضيحة .. المثقفين قالوا أن الصورة فيها مبالغة .. الصحف تسابقت على نشر الصورة ..

أخذونا للمستشفى، لأول مرة منذ سنوات تناولت وجبة كاملة .. وزعونا على حضانات أخرى .. فيها درجة أقل من القسوة. تفرقنا .. اختلفت مصائرنا .. شيء واحد سيجمعنا للأبد .. مقولة كنا نرددها دوما: الأطفال بحاجة لأب .. حتى لو كان أباً أخرق .. بحاجة لأم حتى لو كانت مثل "رويدة" .. بحاجة لبيت فيه تلفزيون .. وأغاني .. وصور قديمة .. وفرشاة أسنان .. بحاجة لمن يبتسم بوجههم صباحا .. لمن يوبخهم عندما يتأخرون ليلا ..

يعني باختصار: بحاجة ماسّة لأن تنتهي كل الحروب ..

هناك 11 تعليقًا:

  1. الله يرى من الظالم والمظلوم

    ردحذف
  2. سامحونا ..اغفروا لنا غفلتنا عنكم ..رحم الله رويدة

    ردحذف

  3. شركة تنظيف بالمدينة المنورة

    و لدينا من الامكانيات التي تجعل منزلكم يضاء من جديد
    لدينا افضل العمالة علي الاطلاق ذات الدقة و السرعة
    و التعامل الجيد مع اجهزة البخار الحديثة للوصول الي اصعب بقع المفروشات
    التي لم تجدوا لها حل مع شركة فرسان الخليج شركة تنظيف بالمدينة المنورة
    و استخدام اقوي مواد التنظيف للحصول علي ازهي نتيجة
    مع شركة فرسان الخليج شركة تنظيف منازل بالمدينة المنورة
    منزلكم سيضاء من النظافة

    تننظيف منازل بالمدينة المنورة


    اتصلوا بنا
    0553061333
    http://www.forsan-elkhaleg.com/17/Cleaning-company-in-Madinah

    ردحذف

  4. شركة تنظيف منازل بمكة


    هل تبحث عن افضل شركة تنظيف بمكة لتقدم لك افضل العروض و الخدمات لمنزل مثالي فلن تجد افضل من شركة المنزل شركة تنظيف منازل بمكة علي اعلي مستوي من افضل الطرق الحديثة للتخلص ن الاتربة و البقع من الارضيات و المفروشات بافضل اجهزة البخار و اقوي المنظفات العالمية التي تستخدمها افضل العمالة المدربة التي تعتمد عليها افضل شركة تنظيف بمكة بافضل الاسعار علي كافة الخدمات المتميزة التي تقدمها شركة تنظيف منازل بمكة


    افضل شركة تنظيف بمكة


    اتصلوا بنا
    0502024166

    http://elmnzel.com/%D8%AE%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%81/cleaning-makkah

    ردحذف

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...

Follow by Email